عبد الملك الجويني
184
نهاية المطلب في دراية المذهب
والقول الثاني : وهو المنصوص عليه في القديم ، أنه يقتصر على تسليمة واحدة من غير تفصيلٍ . ومعتمد هذا القول ما روي عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم تسليمةً واحدة تلقاء وجهه ( 1 ) . فأمّا التفصيل ، فالتعويل فيه على إبلاغ الحاضرين ، قلّوا أو كثروا ، فإن قلنا : يقتصر على تسليمة واحدة ، فلتكن تلقاء وجه المسلّم من غير التفات . وإن قلنا يسلم مرتين ، فيلتفت في أولاهما عن يمينه ، وفي الثانية عن يساره . ثم قال الشافعي : فيلتفت حتى يُرى خداه ، فاختلف أصحابنا في معناه ، فمنهم من قال : يرى خداه من كل جانب ، وهذا بعيد ، فإنه إسراف في الانحراف . والصحيح أن المعنيَّ به أن يرى خداه من الجانبين ، من كل جانب خد . ثم ذكر العلماء : أنه ينوي السلام على من عن يمينه ويساره من أجناس المؤمنين : من الجنّ ، والإنس ، والملائكة ، ثم مَنْ على اليمين واليسار يقصدون الرد عليه عند الإقبال عليه . وإن فرعنا على قول التفصيل ، فالمنفرد والمأموم يقتصران على تسليمة واحدة . ثم يقول المسلّم في كل تسليمة : السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ثم التسليمة الثانية تقع وراء الصلاة ، وقد تم التحلل بالأولى ، ولو فرض حدث مع التسليمة الثانية ، لم تبطل الصلاة ، ولكن شرط الاعتداد بالتسليمة الثانية إذا ندَبنا إليها دوامُ الطهارة ؛ فإنها وإن كانت تقع بعد التحلل عن الصلاة ، فهي من أتباع الصلاة . فالظاهر عندي أن شرط الاعتداد بها الطهارةُ ، والله أعلم . 885 - ثم إن كان المصلي إماماً ، فإذا تحلّل ، فلا ينبغي أن يلبث على مكانه ، بل
--> ( 1 ) حديث عائشة رواه الترمذي : أبواب الصلاة ، باب التسليم في الصلاة ، ح 296 ، وابن ماجة : كتاب إقامة الصلاة ، باب من يسلم تسليمة واحدة ، ح 919 ، وابن حبان : 3 / 224 ح 1992 ، والحاكم : 1 / 230 ، 231 ، والدارقطني : 1 / 358 . ورواه ابن حبان من وجه آخر : 4 / 72 ح 2433 ، وهذا إسناده صحيح على شرط مسلم ، قاله الحافظ . وأما الأول فالموقوف أصح من المرفوع . وفي كل مقال ، ( انظر التلخيص : 1 / 485 ح 420 ) .